إنها الآن الساعة الخامسة والنصف ولم يتبقى سوى ساعتان على موعد الرحيلساعتان فقط
لتنهي ما بدأت
وتبدأ من جديد
ساعتان حتى تودع عقدين
وتستقبل أعواماً جديدة
لم تعلم لم شعرت وكأنها في ليلة رأس السنة حيث الخطا لفاصل بين أعوام مضت أخرى قادمة
لكن الفرق ها هنا
أنها لم تستقبله بفرح العام الجديد أو حتى حزناً
لم يتجمع كل من تعرف يهنئون بعضهم البعض بعام قد ولد من جديد
تعلم أنها ستراهم بعد بضع دقائق
فكرت كثيراص في أن تخفي عنهم موعد سفرها
فهي تكره لحظات الوداع ، خاصة تلك التي لن تنتهي بكلمة إلى اللقاء
تعلم أنه لا لقاء بعد اليوم
ورغم ذلك لم تحزم بعد حقائب السفر
اشترت اثنتان متوسطتا الحجم وأخرى صغيرة لاحتياجاتها الشخصية فلا داع لكي تثقل نفسها بكل هذه الأحمال
فيكفيها ماتحمله بداخلها..
فتحت الحقيبة الأولى وأمامها خزانة ملابسها، أخذت تجول بناظريها بين ملابسها الشتوية والصيفية في بادئ الأمر احتارت ماذا تختار، ترى كيف سيكون حال الجو هناك، وسريعاص ما أدركت أنه الأمر سيان، صيفاً أو شتاءً فعليها أن تأخذ كلاهما ، فلن يكون ها هنا شتاء أو صيفاً آخراً...
بعد أن أنهت حزم الحقيبة الأولى، وجدت أنه لا داع للثانية فحتى الأولى لم تمتلا كما اعتقدت، فمع كل قطعة ملابس ذكرتها بمناسبة حضرتها أو مكان قد ذهبت إليه فبدأت اختياراتها تتضاءل إلى الأمور الضرورية حتى ترحل وتبتاع من هناك الجديد...
وجاء دور حقيبتها الصغيرة، في الواقع لم تكن صغيرة جدا، فكانت تكفي لحمل ما خف وزنه وثقل ثمنه كحقيبة ظهر مثلاً، بدأت بوضع حقيبة أدوات التجميل، حتما سوف تحتاجها في مرحلتها الجديدة لكي تضع أحد اقنعتها، نظرت إلى البوم صور على مكتبها وبرواز به صورة لها وهي في بداية الكلية، اخذت تنظر إلى الوجوه في ذلك الوقت "يالله كم كانت البراءة تملأ العيون وتشرق كنور شمس غابت بعد يوم ممطر جميل" وجدت نفسها في كثير من هذه الصور، امتدت يدها لاختيار بعضا من هذه الصور فوجدت أنها بدأت باختيار كل صورها بدءً من طفولتها حتى الوقت الراهن ، ولم تلبث ان تراجعت عن هذه الفكرة، فلم تكن سوى شريط ذكريات يعرض أمامها باستمرار مما قد يجعلها عاجزة عن الاستمرار هي ايضاً والمضي قُدماً، دميتها الصغيرة احتفظت بها منذ أن كانت طفلة صغيرة فلم تكن كباقي الأطفال مخربة بل عرفت كيف تحافظ على كل شئ مما اثار دهشتها كيف تحولت من تلك الطفلة المحافظة إلى الشابة التي فقدت كل شئ.
ثم تركتها هي الأخرى حتى لاتذكرها بفشلها، وجاء دور شهادات التقدير وخطابات الأصدقاء، هي أيضاً جزء من حياتها وذكرياتها، فتركتها هي الأخرى.
لم يتبقى شيئاً لتأخذه وحقيبتها لازالت خاوية ، فحقيبة ادوات التجميل صغيرة جداً كي تحمل في هذه الحقيبة الكبيرة، فقررت تركها هي الآخرى ففي ارض جديدة حيث عالم جديد سوف تحتاق إلى أقنعة من نوع جديد...
صمت رهيب خيم على أرجاء الغرفة قطعه دقات ساعة المنزل تعلن عن بداية الرحيل، أنها الآن السادسة مساءً ولم يتبى سوى ساعةً واحدةً
توجهت نحو شرفة غرفتها لتغلق أدرافها،وتطوي معها صفحة في حياتها،وأصدرت ذلك الصوت،صرير عالي لطالما طلبت إلى أخيها بأن يصلحها، لكن لاجدوى اليوم
دلفت من حجرتها وبيدها حقيبة سفرها وعلى وجهها ابتسامة مصطنعة فمع الأيام تعلم كيف ترسمها وهي التي لم تكن تجيد الرسم يوماً، خرجت لتجد وجوه كل من حولها عابسة حزينة مشفقة مندهشة، ألقت دعابة وهي تحييهم كي تكسر حاجز الصمت لم تشأ أن تحييهم الآن فهي لاتريد أن تضعف من بكاء أو ابتسامة أو لكمة حنونة تجعلها تعدل عن فكرة السفر، نست شيئا واحداً مفاتيح سيارتها ، أعطتها لأخيها طلبت إليه أن يقود هو فهي تريد أن ترى للمرة الأخيرة شوارع مدينتها، طرقاتها، اشجارها، زحامها....
طوال الطريق لم تتحدث بشئ، كانت تسمع دعوات أمها وتوصياتها، والدها يخبرها بأسماء وأرقام وعنواين من تستطيع أن تلجأ إليهم هناك إن احتاجت شيئاً، وهي في واقع الأمر لم تحفظ اياً من هذا ، لم تشأ أن تختلط بأي أحد فقط لأنه سوف يساعدها "وصلنا" قطعت كلمات اخيها أحبال افكارها
وجدت بعض صديقاتها في انتظارها الكل جاء لتوديعها، للحظات وهي تنظري في عيون والدتها وكانت قد حال لونها إلى الأحمر من كثرة البكاء أخذت تجول بناظريها بين الوجوه، تحفظ ملامحهم، تفاصيل لم ترها من قبل، لم تلحظ عينا أخيها من قبل ان لونها عسلي اللون في ضوء الشمس، بدأت التجاعيد في الظهور تحت عينيها الواسعتين الجميلتين، والدها ايضاً قد فقد وزنا كبيراً وزحف كثير من الشيب على شعره، لم تدرك سوى الآن كم كبرا في العمر؟؟؟؟
دقائق هي بل لحظات، وتتوالى القبل والأحضان والدعوات،لم تشعر سوى بأذرعتهم تعتصر ظهرها، فكانت كخنجر نفذ إلى قلبها، وعينا امها تخبرها بأنه لازال هناك وقت للتراجع، آه كم هي عنيدة قالتها بدون صوت مسموع لنفسها، وكأن من حولها قد سمع كلماتها"ياريتك تبطلي العند بتاعك ده" ابتسمت ابتسامة خاطفة وحملت حقيبتها وتوجهت إلى بوابة السفر وتعلن شركة الطيران عن قيام رحلتها.........
دقائق هي بل لحظات، وتتوالى القبل والأحضان والدعوات،لم تشعر سوى بأذرعتهم تعتصر ظهرها، فكانت كخنجر نفذ إلى قلبها، وعينا امها تخبرها بأنه لازال هناك وقت للتراجع، آه كم هي عنيدة قالتها بدون صوت مسموع لنفسها، وكأن من حولها قد سمع كلماتها"ياريتك تبطلي العند بتاعك ده" ابتسمت ابتسامة خاطفة وحملت حقيبتها وتوجهت إلى بوابة السفر وتعلن شركة الطيران عن قيام رحلتها.........
جلست بمقعدها بجوار النافذة، منذ أن كانت طفلة اعتادت على أن تجلس بهذا المكان كي ترى الطائرة وهي تحلق والقاهرة تتضاءل من تحتها حتى تصبح البيوت والسيارات بالطرقات كعلب الكبريت أو لعب الأطفال
لكن هذه المرة كان موعد الطائرة ليلاً،أقلعت الطائرة ولم ترى سوى أنوار كشافات السيارات وممر المطار مضاء لارشاد الطائرات اثناء الإقلاع
دعاء والدتها
الطائرة ترتفع ومع ارتفاعها يزداد انحناء رأسها للخلف رغماً عنها
شعر أبيها الأبيض
من الرجاء ربط حزام المقعد
عينا أخيها
من الرجاء من السادة الركاب اطفاء هواتفهم النقالة
ابتسامة صديقتها
ثم أًطفأت أنوار الطائرة
وكلما ابتعدت ابتعلت ظلمة الليل هذه الأنوار حتى اختفت تماماً، أغمضت عينيها أملاً أن تستيقظ
وكلما ابتعدت ابتعلت ظلمة الليل هذه الأنوار حتى اختفت تماماً، أغمضت عينيها أملاً أن تستيقظ
وترى النور من جديد..
















